انتفاضة الاستقلال
قراءة في التجربة والمسار
تشكل الانتفاضة السلمية المتفجرة بالصحراء الغربية، حدثا جديدا و متجددا، وأسلوبا حضاريا، إنتهجه الشعب الصحراوي في الآونة الأخيرة .
هذا المنهج بعثر كل الأوراق، وشكل ضربة جديدة وقاسمة لكل السياسات الاستعمارية المغربية بالمناطق المحتلة من الصحراء الغربية.
وأصبحت معه الجماهير الصحراوية بالمناطق المحتلة وجنوب المغرب، وبالمواقع الجامعية أرقاما مهمة في المعادلة السياسية، من شأنها إذا حافظت على هذا النهج الجديد أن تغير قواعد اللعبة جملة وتفصيلا، شكلا ومضمونا.
ولأن الانتفاضة شارفت اليوم على ثمانية أشهر من عمرها، فإن رقم " ثمانية " يثبت على أنها نجحت في فرض إستمراريتها، وضربت بعرض الحائط كل التكهنات المغربية التي تتبجح بكون " الانتفاضة " لحظة عابرة، وأحداث شغب ليس إلا، ونتيجة طبيعية لاحتقان اجتماعي ليست له أية أبعاد سياسية.
ومادام الأمر كذلك، فكان لزاما علينا كمثقفين ودارسين للمشهد السياسي بالصحراء الغربية، أن نبصم محاولة جادة من أجل وضع دراسة موضوعية وشاملة لهذا النهج الجديد من خلال دراسة مساره ، معطياته، مكامن القوة وجوانب ضعفه، وسنعتمد في ذلك على عدة مناهج علمية تمكننا من جلب الواقع إلى المختبر العلمي وتشريحه وتشخيصه، من أجل فهم أكثر واستفادة أوسع .
ولأن انتفاضة الاستقلال شكلت واقعا ضمن المسار الوطني بصفة عامة ، فإننا سنحاول قدرالإمكان، إتباع عدة مناهج منها المنهج المقارن الذي سننكب بالاعتماد عليه، على مقارنة هذا الواقع الجديد الذي ولدته الانتفاضة السلمية مع ما قبل ذلك .
كما سنعتمد على المنهج التاريخي من أجل استقراء معطيات الماضي الوطني لشعب صحراوي مسلم عربي وذا عمق إفريقي .
كما سنعرج في تحليلنا على المنهج الوصفي من أجل وصف شامل لكل الأحداث والتطورات والمشاهد التي عايشناها، أو التي توارثنا تأريخها وتاريخها .
وسنحاول جاهدين توسيع جوانب دراستنا هذه لتشمل كافة المداخل والمخارج وكل الجوانب المؤثرة والمتأثرة بانتفاضة الاستقلال ، التي اعتمدنا تاريخ ولادتها يوم21 ماي2005، كبداية فعلية لها على رغم احتمال مجانبتنا للصواب على اعتبار أن المناطق المحتلة عرفت بطولات وملاحم سلمية منذ بداية الغزو المغربي للصحراء الغربية، لكننا اخترنا ذلك التاريخ بالضبط على عدة اعتبارات أولها، كونه شكل نقلة نوعية في الكفاح الوطني، وذلك بالانتقال من النضالات المتقطعة إلى الاستمرارية، ومن المحطات المؤقتة إلى المواصلة الدائمة،
ومن ردة الفعل إلى صناعة الحدث، ومن التلقائية والعفوية إلى التنظيم المحكم والتدبير المنظم .
ونتمنى صادقين أن يوفقنا الله في كل ذلك، ونصل بكم ومعكم إلى إدراك شامل لكل الجوانب، وأن نعمل سويا على تحصين كل المكتسبات والانجازات، وبالمقابل نتجاوز مكامن النقص والخلل، وذلك بتحويلها إلى مصادر قوة، وعدم ترك أي فرص من شأنها أن تشكل حجر عثرة في طريق هذه السفينة الوطنية، التي اخترنا لها عن نضج، شراع الانتفاضة ومجادف المقاومة السلمية .
إن تاريخ الشعب الصحراوي لايخفي على أحد أنه بالعمق الزمني، مايحتاج معه
أي دارس مجلدات ومجلدات من أجل محاولة التطرق له، ولعل الكتب العديدة والمقلات الكثيرة والدراسات الأجنبية والوطنية التي عملت على ذلك تعيننا على الاقتصار في هذه الدراسة على التطرق الجزئي لهذا التاريخ ، والذي سنعتمد على تاريخ الغزو المغربي للصحراء الغربية كبداية زمنية ستتبعها هذه الدراسة ، وتبقى تلك الكتب والدراسات السالفة الذكر المرجعية الكبرى والمكملة لهذه الدراسة الجزئية .
شكلت نهاية سنة 1975، محطة كبرى في تاريخ الشعب الصحراوي بصفة عامة، وتمتزج ذاكرتنا الوطنية بالسواد والخديعة عند ملامستها لهذا التاريخ المشئوم.
على اعتبار أن الشعب الصحراوي لم تكتمل فرحته بطرد الغزاة الإسبان بعد قرابة قرن من الكفاح والنضال، حتى تجرع هذا الشعب المرارة والإحساس بالغبن والخديعة والغدر، بفعل تلقيه ضربة غير متوقعة من الخلق، من طرف الجار المغربي الذي تجاوز الأعراف الإسلامية ومفاهيم حسن الجوار وكل المواثيق الدولية، ليستأسد على شعبنا الصغير الخارج لتوه من ويلات الاستعمار، ليعيش بعد الغزو والمغربي 31 أكتوبر 1975 على إيقاع استعمار أخر مختلف هذه المرة .
هذا الاستعمارالجديد جلب معه كل أشكال الانتهاكات، واستقدم معه كافة الأساليب القذرة وكل وسائل الحط من الكرامة الإنسانية، وعاش معه الشعب الصحراوي أحلك الأيام وأكثرها قساوة، وذاق معه كل صنوف الويلات وأشكال المعاناة، بل عرف معه ومن خلاله ممارسات لم تكن تخالج تفكير أي مواطن صحراوي من قبيل الإبادة، وسياسة الأرض المحروقة والقتل والفتك ودفن الأحياء ورميهم من الطائرات والاعتقالات والاختطافات بالجملة والتقسيم والنفي والتهجير والإبعاد وقطع الأرزاق ..إلخ
بعد هذا الغزو الظالم سيعيش الشعب الصحراوي واقعا مأساويا جديدا، حيث قسم الشعب بين نصف لاجئ يقاسي الويلات و التشرد وضيق العيش، ونصف آخر يعيش بدوره ويلات القتل والاعتقالات والاختطافات والنفي...إلخ
وشكلت المعاناة القاسم المشترك بين النصفين، لكن رغم كل هذه المعاناة إلا أن الشعب الصحراوي لم ينزوي في الركن . وإنما حمل راية الكفاح والنضال بلا هوادة ضد المحتل، فكان جيش التحرير الشعب الصحراوي البطل يصول ويجول بكل الساحات وعلى جبهتين ضد الجيش الموريتاني من جهة وضد الجيش المغربي من جهة أخرى، واستطاع بفضل التحدي الذي أبداه مقاتليه الصناديد، الأشاوس دحر الموريتانيين عن أرض وادي الذهب، وجرهم إلى التوقيع على اتفاقية وقف أطلاق النار بالجزائر 1978. ليتفرغ الصحراويون بعد ذلك للعدو المغربي وتستمر البطولات والملاحم العسكرية حتى حدود 1991 تاريخ التوقيع على اتفاق وقف أطلاق النار، بعد 16 سنة من الحرب قدم فيها الشعب الصحراوي أفضل رجالاته شهداء على مذبح الحرية والكرامة والاستقلال، وحقق خلالها انجازات ومكاسب عظيمة رغم الظروف الطبيعية الصعبة ورغم قلة ذات اليد وقساوة كل الظروف، إلا أن الشعب الصحراوي في اللجوء واصل تثبيت ركائز الدولة الصحراوية الفتية، وواصل طريقه على نهج الثورة وتحصينها بالتعليم والرعاية الصحية والاجتماعية والبناء المؤسساتي والعمل الدبلوماسي وحصد الاعترافات المتواصلة بالجمهورية الصحراوية ، والتواجد بكل المواعيد والمحافل الدولية من أجل إيصال رسالة الشعب الصحراوي إلى كل أرجاء هذا العالم الفسيح، بما في ذلك المنظمات الدولية والإقليمية والعابرة للوطنية.
وبالموازاة مع ذلك واصلت الجماهير الصحراوية الرازحة تحت نير الاحتلال شق طريق النضال والصمود ومواجهة كل الممارسات والأساليب الاستعمارية الظاهر منها والباطن، رغم الإبادة والتنكيل والتغييب والاعتقالات والاختطافات حيث زينت الجماهير الصحراوية لوحة الثورة بألوان أخرى من الصمود في مختلف الميادين. فوقعت هذه الجماهير على محطات نضالية هامة من خلال مواصلة العمل التنظيمي الذي نجح في التعبئة والتأطير الجماهيري رغم الحصار والتطويق والهاجس الأمني .
وعبر ورغم حملات الاعتقالات والمتابعات ومسلسل التهجير والنفي والإبعاد والتغييب.ألا أن الشعب الصحراوي بالمناطق المحتلة حافظ على الهوية والخصوصية.والتمسك بالخط الوطني وبالثوابت والمسلمات الوطنية.
فكان الشعب الصحراوي الأبي يضع الحدث بكل الوسائل بالدافع وبالمقاومة السلمي وبالمناورة والتحدي والصمود.
ورغم كل الويلات التي جاءت مع الغزو المغربي ورغم تمكنه من كل صغيرة وكبيرة إلا أن الجماهير الصحراوية استطاعت أن تبصم على محطات كثيرة كان من أبرزها انتفاضات 1975 و1976 و1979 و1982 و1987 و1991 و1992 و1994 و1999و2000 و2001 إلا أن الغزو المغربي عمل على عدم استمرارية كل انتفاضة أكثر من أيام معدودة .
لكن هذا الغزو عجز عن اجتثاث نضالات هذه الجماهير بكل أشكالها ، خصوصا السرية منها، لكن بعد انتفاضة العيون1999 حدثت تغييرات جذرية، حيث بدت الجماهير الصحراوية أكثر جرأة وأكثر تحدي، وسيعرف جنوب المغرب وكذلك الطلبة الصحراويين نقلة نوعية في تصعيد النضال وتوسيع الرقعة الجغرافية للفعل النضالي.
فظهر شكل آخر من النضال تحت يافطة العمل الحقوقي (فرع منتدى الحقيقة والإنصاف بالعيون)(لجنة التنسيق المنتدبة) وشكل بتوازي مع نضالات الطلبة الصحراويين بالمواقع الجامعية، أسلوب النضال الجماهيري العلني، ساعد في ذلك انخراط المناضلين الصحراويين في الثورة الاتصالاتية والمعلوماتية العالمية (القنوات ،الصحف، الانترنيت )واستغلالهم لكافة وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمكتوبة، مما ساعد على إزالة الحواجز النفسية لدى كافة الشرائح المجتمعية الصحراوية، وإيصال صوتهم إلى كافة قنوات المنتظم الدولي، وبداية انخراطها في شكل الاحتجاجات السلمية الجماهيرية والعلنية وأمام الملأ .
هذا الشكل الذي أصبح يجد له موطئ قدم في كافة عواصم العالم . لكون هذ النوع من الاحتجاج بدء يعرف انتشارا على مستوى كافة المدن الصحراوية وبالسجون بالمواقع الجامعية كل ذلك انصهر في بوثقة واحدة انضاف إليها مستوى النضج والوعي السياسي لدل الجماهير الصحراوية لتتولد عنه في الأخير شكل جديد سيتم هذه المرة بالاستمرارية وبالإبداع والتجديد ويستند بالأساس على الأساليب الحضارية ويرتكز على الصدور العارية أنه انتفاضة الاستقلال التي تفجرت يوم21ماي2001.
كون الانتفاضة فعل نضالي جماهيري لا يعترف بالفئوية ولا بالاستثناءات يقودها الجميع يؤطرها الجميع ويشكل هذا الجميع حطبها وضمان إستمراريتها ،فإنها اخترقت كل البيوت وحمل لوائها الصغير والكبير، المرأة والرجل، الشباب والكهول .
وكونها مدرسة وطنية فإنها أنتجت قيما جديدة، ورسخت مبادئ كانت موجودة، وكرست ثقافة جديدة أثرت في الكل وتأثرت بثوابت القضية، وتماشت مع الخط الوطني الذي عموده مبادئ 20ماي الخالدة ولأنها كذلك فإنها كحدث وطني جديد، تغلغلت وسط الشعب الصحراوي.
وضمن خانة هذا التغلغل خلقت خدوشا حسنة داخل الإنسان الصحراوي ذاته، إضافة إلى ولوجها إلى العلاقات البينية بين نفس الإنسان وبين البقية .فمن خلال دراسة موضوعية للمجتمع الصحراوي انطلاقا من معايير الدراسة السوسيولوجية. سيتضح لأي دارس أن هذا المجتمع يتوفر على قيم وسلوكات وأعراف وتقاليد وإرث حضاري أسس له منذ قرون أسلاف وأسلاف .
كل هذا ولد لدى هذا المجتمع هويته وسجيته ،خصوصيته وطرق تفكيره وكيفية عيشه.هذه الخصوصية وهذه الهوية عجزت كل أشكال الاستعمار التي توالت على هذا الشعب عن طمسها أو مجرد خدشها.
وكان لهذه الهوية وهذه الخصوصية الفضل في استمرار هذا الشعب على نفس الخطر ونفس المسار وكان لها الفضل في إبداع هذا الشعب لمتاريس وسدود ذاتية في وجه كل المحاولات الرامية لاختراقه أو التأثير فما بالك بتدجينه أوأسبنته أومغربته.
والسؤال الذي حير الجميع هو لماذا لم يستطع أي استعمار ابتلاع هذا الشعب الصحراوي رغم ظروف طبيعته ورغم صغره وبداوته ؟
الإجابة عن هذا السؤال ليست بالبساطة مما كان لكون هذا الشعب الصحراوي استطاع من خلال قرون وقرون أن ينسج له بيئة خاصة به، ليس من السهل على أي كان أ، يجد له ثقوب في جداراته السميكة.
يعد الإنسان الصحراوي بتركيبته الفيزيولوجية والبسيكولوجية إنسان مختلف عن الآخرين .على اعتبارات عدة ونتيجة طبيعية للصيرورة التي مر بها منذ قرون.
فنزوح الصحراويين على الصحراء الغربية منذ قرون خلت لم يكن بمحض الصدفة، وإنما جاء استقرارهم بأرض الصحراء الغربية، وفق اختيار مدروس، وعن قصد متعمد.فلا يختلف اثنين كون الصحراويين ينحدرون من أرض الجزيرة العربية، وقد نزحت طلائعهم الأولى نتيجة الصراعات والفتنة التي حلت بالجزيرة العربية، إلا أنهم اجتازوا في ترحالهم كل الأراضي الواقعة في شرق ووسط إفريقيا نظرا لعدم ملائمتها لاستقرارهم . ليختار وارض الصحراء الغربية بالغرب الأفريقي هده أسباب من بينها كون هده الأرض شهية في تكوينها و تضاريسها ومناخها للجزيرة العربية ،إضافة ملائمتها للاستقرار باستحضارنا لخلوها و خلائها .ومن هنا ندرك مدى تأثير الجغرافيا (الصحراء)على الإنسان الصحراوي،فرغم صعوبة الاستقرار بها باعتبار افتقارها لجوانب الحياة (الماء،الكلأ،الفلاحة)وكونها تتسم بمناخ حار، فان كل هذا لم ينقص من عزيمة الإنسان الصحراوي فقد تماشي مع هذه البيئة التي ليست بالجديدة عليه، بل نجح قي تطويعها و التعايش مع قوانينها وذلك بعدة تقنيات من بينها الترحال وعدم انتظار زخات المطر بل البحث عنها، واعتماده على المواشي القادرة على الترحال معه و البحث عن أماكن الكلأ،في ظل انعدام أي فرصة للفلاحة، واعتماد البعض على التقليدي للسمك على مستوى السواحل الطويلة والممتدة على مئات الكيلومترات على المحيط الأطلسي وتخصص الجزء الأكبر إضافة إلى تربية المواشي في التجارة و بالخصوص في الأسواق الموسمية الممتدة على رقعة الصحراء الكبرى.
كل هذا ولد في الإنسان الصحراوي عزيمة وإرادة قوية على الاستمرارية و مواصلة مسيرة العيش.
لكن بالمقابل و من خلال كل هذه المعاناة و هذه الصعوبات والسيرورة ولد إنسان له ميزات و صفات يفتقدوها كثيرون أ برزها صفة الصبر إضافة إلى صفات أخرى من قبيل رباطة الجأش و النظرة الثاقبة و البصيرة القوية و الشجاعة و العناد، و بهذه الصفات التي انصهرت وأصبحت طباعا لدى كل إنسان صحراوي، استطاع هذا الأخير الحفاظ على استمرار يته ومسيرة حياته.
وكون هذا الإنسان عربي ابن عربي فقد على صفات الأجداد و الأسلاف من قبيل النخوة والكرم و النبل وعزة النفس ونكران الذات ،إذا لكل هذا كونه مسلم محافظ على دينه وسنته،فان هذا الإنسان يكون في الأخير بدينه وعرقه وأصله وبيئته،مثالا للنقاء و الصفاء و الرزانة والحكمة.
كون الصحراوي إنسان أولا أخيرا، فانه مدني واجتماعي بطبعه، و كونه عربي فان النبل والكرم من شيمه، وكونه مسلم فان التضامن والتآزر من خصاله وسننه ودينه.
و بانصهار كل هذه الانتماءات (مسلم،عربي،صحراوي)فقد انبثقت عنها مجتمع مسلم،عربي و صحراوي.
كانت في البداية تؤ طره العلاقات القبلية وتحكمه قواعد المشيخة،ورغم كونه لم يرقى إلى فكرة الدولة،إلا أنه لا يمكن إسقاط صفة الشعب عنه على اعتبار وجود الساكتة و الأرض و سلطة الشيوخ مما يدل على أن مشروع الدولة كان جاهزا لكن ظروف نضجه لم تتبلور إلا فيما بعد.
ولعب الترحال كأسلوب للعيش دورا هاما في التواصل المتبادل بين مختلف القبائل والعائلات الصحراوية، وشكلت الأسواق الموسمية أبرز المواعيد و أفضل الفرص للالتقاء ومناقشة كل الأمور و الإشكاليات.كما أن مؤسسة الزواج لعبت دورا هاما في الاختلاط و التجانس وتقوية اللحمة بين الجميع.
كما لعبت مختلف انتماءات الشعب الصحراوي دورا بارزا في تقوية العلاقات البينية بين مختلف فئات وقبائل هذا الشعب، فكونه شعب مسلم،فقد حافظ على هويته الإسلامية من خلال تشبثه بقواعد دينه و تعاليمه ،وشكل تعليم القرآن (الكتاتيب ) وحلاقات الذكر نواة أساسية في بناء المجتمع الصحراوي إضافة إلى التمسك بصافات التآخي و التآزر و ترجمتها إلى أرض الواقع من خلال الزكاة و الصدقة و صلة الرحم .....الخ.
وكونه شعب عربي فقد حافظ على صفات الكرم والنخوة والشهامة و الشجاعة و الحفاظ على لغته بلسان عربي فصيح بليغ.
وكونه شعب صحراوي فقد تمسك بصفات التضامن و التكافل في السراء و الضراء في النعمة و النقمة.
و كونه مكلفا بنقل سلعه و مبيعاته إلى مختلف الأسواق الموسمية، مما يفرض غيابات كثيرة. فان المرأة الصحراوية اضطلعت بأدوار عديدة المربية وهي الحاضنة وهي رب وربة البيت في آن واحد،مما فرض عليها التسلح بعزيمة الرجال إلى جانب حنان الأم، هذا الدور المزدوج للمرأة الصحراوية وكونها تنتمي إلى مجتمع عربي مسلم فقد أعطاها مكانة هامة و تقمصت دور العمود الفقري للنواة الأسرية و من خلالها الركيزة و اللبنة الرئيسية لشعب بأكمله.
فكانت مدرسة لوحدها و قواما للتحدي و العمود مما أهلها للحصول على حقوقها كاملة دون نقصان بفضل جهودها و عملها و أدوارها و ليس منة من أحد أو هبة.
فأصبحت المرأة الصحراوية مثالا للمرأة المسلمة و العربية وللمرأة بصفة عامة فأعطاها الشعب مكانة مهمة بين ظهرانيه فأعطت في النهاية مكنة و إشعاع و منحته اعترافا و تقديرا بين شعوب العالم.
و من خلال كل ما سلف يتضح أن الإنسان الصحراوي الذي طوع الأرض و المجال و تعايش مع كل الصعوبات المناخية و الطبيعية، المتسلح بسلاح الصبر و المجبول على الفضاء وبعد الأفق و النظرة الثاقبة و على التمرد على قوانين الغصب و التكبيل و كل أشكال التوقيف،هذا الصحراوي الذي ترعرع في أحضان الوديان الشاسعة و الكثبان الفسيحة، و لا متا ريس، هذا الإنسان الصحراوي الذي تطبع بالأنفة و الشموخ و عزة النفس ، لا يمكنه أن يقبل بغير ذلك.
كيف يقبل بالإذلال و الإهانة و هو الذي عاش عزيزا.و كيف يقبل بالأغلال و القيود و هو الذي ولد حرا و عاش حرا.
و كيف يستبدل الزنا زن و السجون بالوديان و الأراضي الفسيحة . ولعل عدم فهم الاستعمار الإسباني لعقلية الإنسان الصحراوي و من خلاله الشعب الصحراوي.
و هو ما جعلها تعتقد أنها ضمت الصحراء الغربية بصفة نهائية مما جعلها تسميها "الصحراء الإسبانية"، و هي التي ظنت أن قرابة قرن من الزمن كفيلة بابتلاع الشعب الصحراوي و طمس هويته، لكن الكلمة الأخيرة كانت لهذا الشعب من تزده عقود الاحتلال الإسباني ألا عزيمة و إصرارا على طرد المحتل الذي رضخ في الأخير لواقع الكفاح المسلح و لأصوات مدافع مقاتلي جيش التحرير الشعبي الصحراوي.
لكن النظام المغربي الذي طعن الشعب الصحراوي من الخلف لم يستفد من هذه التجربة الفاشلة، و سقط في نفس المغالطة و ضمن نفس المستنقع .بل عمل على استدعاء الشعب الصحراوي بكل شرائحه متناسيا عقلية هذا الأخير و هويته و خصوصيته و تحديه و صموده وشموخه و إصراره وعناده.
ولقد سقط الاستعمار في نفس الأخطاء، فرغم كل المخططات وكل السياسات الممنهجة وكل الممارسات القمعية و الوحشية ورغم استفادته من القواسم المشتركة مثل اللغة و الدين على عكس الاسبان، فان الشعب الصحراوي أظهر مقاومة أكبر وعناد وتحدي لهذا الإستعمار.فرغم مرور ثلاثة عقود من الاحتلال فلم يستطع هذا الاحتلال النجاح في ما فشل فيه الاستعمار الاسباني في قرابة قرن من الزمان.
ولعل الانتفاضة الأخيرة التي تشهدها المدن الصحراوية و المواقع الجامعية شكلت القشة التي قصمت ظهر البعير، و دقت آخر مسمار في نعش الوجود المغربي بالأرض المحتلة. لكونها أنسب أسلوب لأنسب مرحلة و أنجع سلاح لأخر الحروب القذرة.
فكونها حدث وطني على كافة الربوع ،وكونها مدرسة وطنية انخرط فيها و ينخرط فيها الجميع ، فهي بكل هذه الصفات تشكل أسلوب راقي و حضاري تتخذ من السلم أسلوبا و من الحضارة منهلا ومن الصدور العارية واجهة ونم الكلمة سلاحا، و من الجهر بالمواقف عنوانا .
وهي بذالك تشكل امتدادا للموجة العالمية للاحتجاجات السلمية المقبولة دوليا و عالميا ، وما يرافق ذلك من توالي مسلسل الإحراج للاحتلال و افتقاده لأهم مكسب يمكن المراهنة عليه و هو الاستقرار.
وكونها نهج ينبذ العنف و يتمسك بالمقاومة السلمية فهي بذلك تأسس لبشائر الانتصار و انتهاء الاحتلال.فلا الاحتلال قادر على تذوبيها و لا اجتثاثها و لا هو قادر على الاستمرار في قمعها و توقيفها و على رأي المثل الصحراوي (عود لحبزي * ) فإن الاحتلال المغربي يعيش لحظاته الأخيرة، وسواء اعترف بذلك أم لم يعترف فإن الحقيقة على أرض الميدان أ ثبتت بأن هذا الاحتلال أصبح أكثر من ذي وقت يفتقر إلى آليات وأدوات بسط وتكريس وجوده، ولم يعد له من حل سوى (تعنتيت العرم ** ) أمام معطيات الميدان التي انتهجتها الانتفاضة السلمية.
* هذا المثل يدل على وجود غصن يسمى الحبزي مرميا على الأرض تقول الأسطورة أنه إذا حملته من على الأرض يموت أباك وإن تركته تموت أمك
** العرم حيوان زاحف من نوع السحالي، يعيش بكثرة في الصحراء يتسم بانتصاب عنقه عند قتله ، وهي وسيلة دفاعه الوحيدة.
خصوصا إذا استحضرنا هشاشة كل الأوضاع بالمغرب اقتصاديا اجتماعيا سياسيا .مما يعني معه أن المغرب أصبح بين مفترق الطرق بين سندان الانتفاضة السلمية بالصحراء الغربية ومطرقة الواقع المزري الذي ينهش بكل جوانبه.
يعرف المغرب واقعا متسارعا يتسم الاختلالات والهشاشة على جميع الأصعدة.
الاقتصاد المغربي موسوم بعدم الاستقرار نظرا لاعتماده على استراتيجيات المخططات الاقتصادية التي تعتمد بدورها على مصادر قوة في حكم الغيب، من قبيل اعتماده في ميزانيته السنوية عل الأمطار هذه الأخيرة غير مضمونة، لذلك يشهد القطاع الفلاحي اختلالا بفعل سنوات الجفاف التي يخيم على المغرب عدة مرات.
كما أن موازنته تعتد على احتمالات عدة من بينها نجده يضع سعر 35 دولار للبرميل في سوق النفط الدولية بينما على أرض الواقع 70 دولار كما حدث سنة2005 وهو ما يعني معه تراكم العجز الاقتصادي في هذه الحالة .
ولأن المغرب يفتقد إلى العديد من مصادر الطاقة والمعادن.فإنه يضطر إلى استيرادها من السوق العالمية .كا هذا ولد حالة من عدم الاستقرار الاقتصادي حيث أضحت الواردات تفوق الصادرات بكثير .
ورغم ذلك فإن النظام المغربي لم يضع إستراتيجية جديدة لمواجهة هذا الوضع. بل عمل على العكس ذلكّ حيث اتجه إلى إلقاء العبء على كاهل المواطن البسيط من خلال فرض مجموعة من الضرائب الجديدة شملت الجميع بما فيها العامل والموظف بل حتى النادل في المقاهي وهو ما اصطلح عليه (بضريبة البقشيش) إضافة إلى الرفع من الأسعار التي شملت بدورها المواد والسلع والخدمات التي لاغنا للمواطن البسيط عنها.زد على ذلك المفاجأة التي خلقها قانون المالية ل 2006 الذي صب الزيت على النار وأضاف الكثير من الملح على الجروح وما رافق ذلك من تصريحات متتالية للمسؤولين المغاربة تصب في اتجاه الاستغناء عن (صندوق المقاصة).
وإذا كان المغرب اتجه نحو خصخصة مجموعة من القطاعات العمومية، إلا أن تعريف تلك الأموال تسابقه نفس الممارسات المعروفة (الاختلاس، المحسوبية، الزبونية...)مما يجعل من العملية برمتها نقمة على المواطن وليست نعمة.
هذا الوضع بدل من توجيه المغرب اهتماماته لمعالجته عمل على صعود قطار موجات الشركات واتفاقات التبادل الحر مع الدول القوية اقتصاديا، مما سيجعله يعيش حالة من اللاتوازن سيتضرر منها اقتصاده الهش . وبدل من خلقه فرص تنفيسية أخرى للضغوطات المتواصلة على ميزانيته التجأ إلى الاقتراض الدولي الذي أدخل الدولة في متاهات عديدة .
كل ذلك إذا أضفنا إليه التكاليف الباهظة التي يتطلبها تحول الدولة إلى دولة أمنية بامتياز هذا التحول المهول الذي بدا مع صعود نجم لعنيكري مدير الأمن وتحكمه في دواليب الأمور من خلال اعتماده على نهج سياسة عسكرة الجهاز الأمني وتفريخ دفعات أمنية تختلف أسمائها ( التدخل السريع المتنقل ،الشرطة الحضرية...)إلاانهاتشترك في نفس المنهج القمعي وهذا إذا انضافت إليه التكاليف المرهقة للاقتصاد المغربي جراء استمرارية الانتفاضة في المناطق المحتلة من الصحراء الغربية والتي تعامل معها المحتل المغربي بنفس العقلية التقليدية السائدة وبنفس الممارسات المعروفة من قبيل عسكرة المنطقة وتطويقها امنيا وزج بالجيش والدرك والقوات المساعدة والشرطة والتدخل السريع ينضا ف إليهم صنوف جديدة ( التدخل المتنقل السريع) والتعتيم الإعلامي وقمع واعتقال وقتل المتظاهرين الصحراويين العزل كل ذلك زاد من نفقات الدولة المغربية الفقيرة أصلا لمواجهة هذا الجديد الذي ولد حالة من الااستقرار الدائمة.
يعيش المغرب على فوهة بركان اجتماعي بدأت حممه تتطاير وتبشر ببشاير ثورة اجتماعية قادمة لامحالة فأمام هذا الوضع الاقتصادي المزري تولد معه احتقان اجتماعي لا يقل هوا لآخر تأزما فالبطالة في المغرب ما فتأت تعرف تزايدا وتوسعا داخل جميع الفئات فالمعطلون حملة الشواهد في تصاعد مستمر ومعاناتهم تتزايد باستمرار وبدل من توجيه المغرب لاهتماماته لحل معضلة تشغيلهم يلجا إلى حوار الهراوات والاعتقالات والحملات القمعية على مرئ ومسمع من نواب البرلمان المغربي وأمام مقره هذه المجموعات التي بدأ اليأس وانعدام الأمل يدب في أوساطهم مما اضطر بعضهم إلى حرق ذاته ومحاولة الإنتحارضدا على سياسة التشويف والمماطلة والتهميش واللا مبالات والحملات القمعية حيث لجا بعضهم الئ حرق ذاته أمام إحدى الوزارات وكانت النتيجة نقل ستة منهم إلى المستشفى في حالة خطيرة أما الفئات الأخرى فهناك من اختار امتطاء قوارب الموت في الوصول إلى الضفة الأوربية في ما وراء البحار فيما التجأت فئات أخرى إلى قانون الصمت والترقب لكنه قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة تنضاف إلى ذالك موجات من العمال المسرحين من المعامل والمصانع بفعل الافلا س الذي أصاب العديد منها جراء المنافسة الأجنبية وخصوصا الصينية منها (قطاع النسيج)
ويعرف المغرب كذلك حالة الفقر المنتشر في كامل ترابه فهناك نسبة ليست بالصغيرة تعيش على حافة الفقر على اقل من دولار واحد وأضفنا الئ ذلك ضعف الرعاية الاجتماعية من ضمان وتقاعد وضعف الرعاية الصحية وهشاشة برامج التعليم وإفراغه من محتواه وعدم ملائمته سوق الشغل فإننا سنكون أمام واقع اجتماعي مزري ينهش كل الفئات وكل المناطق ولعل المعالجات الاستهلاكية التي يبديها النظام أصبحت مكشوفة المحدودية الأهداف فمسرحيات مبادرة التنمية البشرية وإصلاح التعليم ولدت ميتة نظرا لعدم الجدية وعجزها عن تحقيق أمام المغاربة
يعيش المغرب حالة من التخبط يعرفه كل المجالات والميادين بما ذلك الجانب السياسي. ففي المغرب أصبحت تسمع أصوات تنادي بالإصلاح السياسي وضرورة تعديل الدستور وتقليص صلاحيات الملك والرفع من سقف اختصاصات الحكومة والبرلمان كما أن الواقع الحربي يعرف فتورا في المشهد السياسي بسبب عجز الأحزاب عن القيام بادوا رها الحقيقية وتملقها للنظام ومحاباته على حساب الجماهير هذه الا خيرة التي أصبحت تعيش عزوفا عن الانخراط في هذه الأحزاب وتولدت لديها حالة من عدم الثقة من كل ما هو له علاقة بما هو سياسي فرغم أن الأحزاب في المغرب تعرف نوعا غريبا وانتشارا كثيرا لموجة التفقيص والتفريخ والانشقاق والولادة لكيانات حزبية صغيرة الا أنها عاجزة عن وضع برامج شانها الرقي بالعمل السياسي والحزبي وتأطير المواطنين ومساءلة ومراقبة النظام ولعل المقاطعة الكبيرة للمواطنين الانتخابات 2002 ابرز مثال على ذلك وكما يعرف المشهد السياسي المغربي سيطرة قوية للقصر على كل المداخل والمخارج السياسية بدءا من تقيم دور الحكومة سحب البساط من تحت اختصاصاتها الجزئية المتبقية في شتى الجالات والاقتصادية ...الخ
من خلال تشكيل القصر للجان ومؤسسات تابعة له تعمل على مجالات عمل الحكومة ( لجنة أصلاح التعليم) ( لجنة الأسرة) مؤسسة محمد الخامس للتضامن) ...الخ ينضاف إلى ذلك عدم جدوائية أي غالبية حزبية بالبرلمان أمام سد الطريق أمام أي محاولة لتكليف وزير أول منها.نظرا لاختصاصات الملك في حرية اختياره له (الفصل 24) من الدستور.
ينضاف إلى ذلك تحكم تحكم الملك بالقضاء فهو رئيس مجلس الأعلى مما يستحيل معه أي نوع من الاستقلال لهذا المجاز.
و بوجود مقدسات ومناطق محرمة مما يفقد المجتمع المدني ووسائل الإعلام والمؤسسات الحكومية أي فرصة للمناقشة و المساءلة.فان المشهد السياسي بالمغرب يعرف انغلاقا شديدا يملك فيه الملك كلا المفاتيح.زد على ذلك الضرائب التي يدفعها النظام المغربي جراء احتلاله غير الشرعي للصحراء الغربية وما يرافق ذلك من ضغط دولي متزايد وتشويه لصورته في كافة المحافل الدولية.هذه الصورة التي ارتبطت بالقمع والتنكيل وانتهاكات حقوق الإنسان والديكتاتورية والاستبداد.كل ذلك جعل من المشهد السياسي المغربي وضعا قابلا للانفجار في أي لحظة نظرا لضبابية المشهد وانسداد الأفاق المستقبلية وانتهاء فرضيات الإصلاح والخلاص والانفتاح، والتمسك بخيارات الحلول الترقيعية وأنصاف الحلول داخليا وعدم الامتثال للشرعية الدولية بخصوص قضية الصحراء الغربية كقضية تصفية الاستعمار.
أما هذه الأوضاع المزرية التي يعيشها النظام المغربي على كافة الأصعدة.وبوجود واقع مرير أنتجته انتفاضة الاستقلال المباركة في المدن الصحراوية والمواقع الجامعية.وما يكلف ذلك من خسائر كبيرة للدولة المغربية، فإنها أي الدولة المغربية تتجه إلى تكرار نفس التجربة الأندنوسية التي عاشتها هذه الدولة القوية اقتصاديا سنة 1997 حيث كانت هذه السنة شاهدة على انهيار الاقتصاد الأندنوسي ودخولها في مستنقع الأزمات أنضاف إليها واقع آخر بتيمور الشرقية التي تستعمرها أندنوسيا حيث التيموريين من نضالاتهم مما اضطرت معه الدولة المستعمر إلى التخلي عن العجرفة والخضوع لإرادة الشعب التيموري الذي أعطيت له فرصة الاستفتاء والذي اختار الاستقلال والحرية. فهل نعيش نفس التجربة بخصوص المغرب والصحراء الغربية؟
منذ 21ماي 2005 عرف الشعب الصحراوي تغييرات متلاحقة ومتسارعة تحت يافطة الانتفاضة السلمية والتي كانت من وراء هذه التغييرات الإيجابية.
وانطلاقا من كل ماسبق يمكن فهم هذه الانتفاضة على أنها انعكاس طبيعي ل صمود وإصرار وتحدي الإنسان الصحراوي خاصة، والشعب الصحراوي عامة، وتجسيد واقعي على رقعة الميدان لنفسية وسلوك وممارسة هذا الإنسان وهذا الشعب، مما يمكن معه فهم هذه المدرسة على أنها أجرأة عملية للمبادئ والثوابت الوطنية التي حملها الشعب الصحراوي، منذ عقود على كاهله واختزنها كل صحراوي داخل وجدانه، فلا التصحر الطبيعي استطاع المس بها ولا الاحتلال بسياساته المختلفة، كانت له القدرة على الاقتراب منها قيد أنملة .
هذه القناعات المترسخة هي التي شكلت أساس البناء والضمانة الرئيسية للاستمرار الوطنية، وإذا كانت سفينة الاستقلال ظلت تشق طرقها لقرابة ثلاثة عقود ولازالت تواصل سيرها بثبات وتحدي، فإنها خلال هذا المسير جربت أشرعة ومجاديف عدة، أبرزها الكفاح المسلح والمقاومة العسكرية التي كان لها الفضل كل الفضل في تثبيت وجود الشعب الصحراوي الأبي وتحصين مكتسباته الوطنية.
وإذا كان الشعب الصحراوي اليوم يستبدل هذه الأشرعة بأشرعة المقاومة السلمية فإن الأولى لازال محتفظ بها إلى حين، وإذا كانت السواعد اليوم تحمل الأعلام الوطنية، فإن الأصابع لازالت على الزناد في أهبة الاستعداد، وإذا كانت الحناجر اليوم تدوي صرخاتها بالشعارات الوطنية، فإن صهيل المدافع لم يغب وإنما هي استراحة المحارب الذي في ظل استراحته، يتقوى الجسد الصحراوي ويتصلب أكثر لكن دائما بفضل هذه المدافع في هديرها وصمتها.
والمتتبع للشأن الصحراوي اليوم، سيلاحظ لا محالة أن الوضع تغير وانعطف بشكل غير مسبوق، ولأول مرة في مسيرة الكفاح السلمي، يتواصل فعل نضالي علني وجماهيري في شكل انتفاضة متفجرة في كل أمكنة التواجد الصحراوي، هذه الانتفاضة كان لها الفضل كل الفضل في تغيير الواقع الصحراوي الى الأفضل، بل إنها قلبت موازين الصراع جملة وتفصيلا .
منذ انطلاق انتفاضة الاستقلال المباركة، يلاحظ في ردة الفعل المغربية أنها مشوبة بحالة من الهستيرية والارتجالية غير المسبوقة، وذلك يعود لعدة أسباب بنيوية بالأساس، حيث إن الدولة المغربية وكما هو معروف لها صيت وباع طويل في التعامل مع الثورات والانتفاضات التي شهدها المغرب في الستينات والسبعينات والثمانينات، والتي لم يخرج معها التعامل الرسمي عن تجربته الطويلة والتقليدية التي ورثها منذ عقود، والتي تعود إلى ملوك وسلاطين مروا من الحكم مرورا ليس مرور الكرام، وكانت لهم تجارب في وئد ثورات واحتجاجات القبائل المتمردة خصوصا في الجبال والمرتفعات أو ما يسمى "بلاد السيبة " في مقابل بلاد المخزن التي تقطنها قبائل مهادنة وتابعة للسلطان ، ونبنى هذا التعامل على متناقضين هما الإقصاء في مقابل الاحتواء والترهيب في مقابل الترغيب، ولا يخفى على أحد أن المخزن نجح في فرض الاستقرار واستتباب الأمن ولو على حساب الأرواح ومن على ركام الجماجم، هذا النوع من التعامل مع مثل هذه الثورات والمفاجآت انعكس مع مرور الزمن على نفسية وسلوكيات المخزن من جهة، والمواطن المغربي من جهة أخرى، فالأول وجد في تصرفاته القمعية متنفسا لفرض هيبته واستمرار يته، والثاني تعايش وتماشى مع الوضع، حتى أصبح يعيش حالة من الخنوع والخضوع والخوف من كل شئ له علاقة بالمخزن أو السياسة، وأصبحت مع مرور الوقت ردة فعله لا تعدو أن تكون نوع من جدلية الجمود والتوتر، على رأي الباحث الأمريكي " جون واتر بوري " .
هذا النوع من التعامل اللا إنساني مع المواطنين المغاربة، نقلته السلطات المغربية بطريقة ميكانيكية وحاولت تطبيقه على الإنسان الصحراوي، متناسية أن هذا الإنسان له خصوصية وأنفة وعزة نفس وحرص على حريته وكرامته، مما يجعل من مثل هذا النوع من التعامل استعداء للشعب الصحراوي بأكمله، صغيره وكبيره، ولان النظام المغربي جبل على هذه الممارسات الدنيئة منذ قرون، فإنه لم يتعلم من كل السنوات التي قضاها في احتلال الصحراء الغربية وتدميرها والتنكيل بأبنائها وإبادتهم والزج بهم في السجون القذرة، أن هذا الشعب على صغره فإنه يرفض الاحتلال وسلب الحرية وانه من أجل أهدافه مستعد أن يؤسس لأكبر مقبرة جماعية من الشهداء ترصع جنبات التاريخ المشرف، والى حدود الساعة لازالت نفس العقلية هي السائدة، حتى بعد أن خرج كل الصحراويين دفعة واحدة ، في شكل انتفاضة سلمية جماهيرية ، لازال المغرب هو المغرب القديم الجديد، بنفس التعنت وبنفس المماطلة والكذب على الذقون، وهذا ما نجد له تفسيرات عند قراءتنا لتاريخه الطويل، فهو يفتقد إلى سياسات استراتيجية والى نظرة بعيدة المدى، وذلك لكون الملك وحاشيته يسيطرون على زمام الأمور، دون إعطاء الفرصة لاين كان، مما ولد حالة من فقدان روح المبادرة وانعدام القوة الاقتراحية لدى أفراد الشعب المغربي، فكل ما يهم السدة الحاكمة هو استمرار الحال كما هو عليه والبقاء في الكراسي الوثيرة، ولو كان ذلك على حساب البلاد والعباد.
وما دامت الصحراء الغربية تفي بالكثير من الأهداف وعلى رأسها ابتعاد مؤسسة الجيش عن القصر، وانشغالها بالنهب والاختلاس وحلب كل ما يمكن أن يحلب من بقرة الصحراء الحلوب، إضافة إلى الإبقاء على الخريطة السياسية والمشهد السياسي المرسوم بدقة بفضل شماعة قضية الصحراء، ومشجب الإجماع المزعوم حولها، فإن الإبقاء عليها والاحتفاظ بها هو الهدف الأسمى لدى ولاة الأمور، حتى لو كلف ذلك الدولة خسارات متتالية وجسيمة في الداخل والخارج.
وحتى لو كان ذلك على حساب الشعب المغربي المغلوب على أمره، فالدولة المغربية تحولت الى دولة أمنية بامتياز، ومنذ اندلاع انتفاضة الاستقلال المباركة بالمناطق المحتلة، تعامل معها المغرب بنفس المنطق السالف الذكر، وحول الصحراء الغربية من منطقة محاصرة ومطوقة إلى منطقة معزولة عن العالم، وعثى فيها فسادا وتنكيلا وقتلا ، وتهجيرا ونفيا ، ورغم الضغط الذي مارسه المجتمع الدولي ورغم صمود الشعب الصحراوي فإنه لازال على نفس اليم ونفس النهج ونفس المسار، وكلما دار ظهره لكل هذا تلقى ضربات موجعة من طرف الأبطال الصحراويين وسيبقى الحال كما هو عليه حتى خضوعه لإرادة الشعب الصحراوي والمنتظم الدولي .
منذ انطلاق شرارة المقاومة السلمية والشعب الصحراوي يواصل إبداع أرقى صور الملاحم والبطولات من خلال مواصلة انتفاضته السلمية المباركة، ويبدو من خلال معايشة الأوضاع بالمناطق المحتلة وجنوب المغرب والمواقع الجامعية أن الجماهير الصحراوية عازمة كل العزم على مواصلة هذا النهج حتى تحقيق الأهداف المرجوة، والدليل في ذلك استمرار الانتفاضة كل هذه الأشهر دون انقطاع أو مهادنة أو تراجع، رغم حجم القمع والتنكيل وصل حتى حدود إزهاق الأرواح ( الشهيدين حمدي لمباركي ولخليفي أبا الشيخ ) ، والملاحظ في هذه الحركية الجديدة هو امتدادها لتشمل كل أماكن تواجد الصحراويين إضافة إلى انخراط الجميع في تأجيج فصولها، من كل الفاعلين من حقوقيين ومعتقلين وطلبة وتلاميذ ومعطلين وعمال، ومن كافة الفئات من نساء وشباب وأطفال وكهول، وكذلك بكل المناطق من مناطق محتلة ومحررة وجنوب المغرب والمواقع الجامعية وبمخيمات العزة والكرامة والريف الوطني والجاليات ... الخ
وقد عرفت هذه الانتفاضة بدورها، محطات متنوعة ومسار متطور يدل على مستوى حجم الوعي الجماعي الذي ارتقت له الجماهير الصحراوية، ففي البدء كانت الانتفاضة متفجرة بالشوارع بالعاصمة العيون المحتلة وما فتأت أن انتقلت إلى المواقع الجامعية، ومن ثم إلى كافة المدن الصحراوية، والجاليات بالخارج، وقد جوبهت بحملات قمعية خطيرة من طرف أجهزة الدولة المغربية، لكن الأمر انتقل إلى ساحات أخرى ورقعات أوسع، فانضم التلاميذ إلى الساحة وأسسوا لبداية النضال من داخل المؤسسات التعليمية والمعاهد والمراكز، بل انتقلت الشرارة لتصل إلى أسوار المدارس الابتدائية، وجوبهت هي الأخرى بنفس السلوكيات القمعية القذرة.
كما أن الجماهير عملت على تصعيد النضال بالتدريج من خلال البداية التي اقتصرت على الوقفات الاحتجاجية وصولا بعد ذلك إلى رفع الأعلام الوطني التي أصبحت شرط مهم في خانة صناعة أي حدث وطني، وحافظت الجماهير الصحراوية على هذا المكسب حتى حدود هذه الساعة، بل أنها لم تترك مراسيم تشييع جنازة الشهيد حمدي تمر دون توديعه بالأعلام الوطنية، هذه الأعلام التي أصبح رفعها أو تعليقها على السطوح وأعمدة الكهرباء، تقليدا دائما تصبح المناطق المحتلة وتمسي عليه .
كما أن المواطنين الصحراويين تحرروا من الكثير من العقد والترسبات التاريخية التي عانوها تحت نير الاحتلال المغربي الغاشم، فلم يعد هذا الصحراوي يخشى من أي شئ كيفما كان، بل أصبح الحديث عن القضية الصحراوية في عرف الكثيرين أمر عاديا لا يقبل الكتمان أو التريث أو التوجس، إضافة الى المجاهرة بالمواقف أمام الملأ في الشوارع والمنازل وردهات المحاكم والمؤسسات التعليمية، بل حتى الغزاة المغاربة تعايشوا مع الوضع خصوصا منهم المستوطنين، فأصبح المعلم يتقبل نقاشات من هذا القبيل، وأصبح الشرطي أو الجندي يغض الطرف عن كل هذا ، وأصبحت المحاكم منابرا للمرافعة عن الشعب الصحراوي ، والسجون محجا للزوار ، ومخافر الشرطة مختبرات للصمود، وأصبحت الأعياد الوطنية والدينية فرصة لإبداع فصول جديدة لانتفاضة الاستقلال ، من خلال المظاهرات الحاشدة، ولباس الزي الصحراوي التقليدي، وتبادل التهاني ، بل أن الزيارات العائلية القادمة من مخيمات العزة والكرامة أصبحت فرصة لاستقبالها بالأعلام الوطنية والمناشير والهتافات والزغاريد .
أهم ما حققته الانتفاضة لحد الساعة هو القضاء على الانتظارية السلبية التي عانى منها الشعب الصحراوي منذ اتفاق وقف إطلاق النار، فلأول مرة لم يعد الشعب يبني آماله على انتظار تقارير الأمم المتحدة أو التدخلات الأجنبية، بل أصبح يعيش على وقع الانتفاضة، مدرك لأهمية مكتسباتها ونتائجها وتداعياتها على القضية وفرض ورقة الداخل على معادلة الملف بالخارج.
ومن خلال استقرائنا لمعطيات المرحلة، بدءا بتداعيات الانتفاضة على جميع الأصعدة يتضح لنا بأن المغرب لن يصمد طويلا بين سندان قمع المقاومة السلمية، ومطرقة الضغوطات الخارجية، في حالة إذا ما تواصلت فصول الانتفاضة، بشكل سلمي وبطرق حضارية، فالمغرب يخسر يوما بعد يوم، خصوصا أنه خسر الورقة الحقوقية أمام تعنته ومواصلته مسلسل التنكيل والقمع، وأمام وابل التقارير الصادرة عن المنظمات الحقوقية الدولية وغير الحكومية، وأمام مواصلته لسياسة رد وطرد البعثات الأجنبية الحقوقية والصحفية، وعسكرته المنطقة وتطويقها وعزلها عن العالم الخارجي، واستمراره في انتهاج سياسة الاعتقالات والاختطافات والتهجير والنفي والإبعاد، كما أن الورقة السياسية التي كان يعول عليها كثيرا ، بدأت هي الأخرى تسقط من بين يديه، أمام الاعترافات المتتالية التي تحصدها الدبلوماسية الصحراوية، والمكاسب التي ما فتأ الشعب الصحراوي يحققها في كل المواعيد والمحافل الدولية والقارية والإقليمية، زد على ذلك خسارته لأهم ورقة كان يتبجح بها في السابق وهي ورقة عامل الاستقرار في المناطق المحتلة، حيث أن الوضع منذ مايو الماضي يعيش على فوهة بركان ، وتتطاير حممه كل لحظة، وأمام هذا الوضع يقف المغرب عاجزا كل العجز عن السيطرة عليه، أو حتى مجرد التحكم به أو التأثير عليه، وكيف له ذلك في ظل حركية منتشرة، يقودها الصغار قبل الكبار والنساء قبل الرجال والشيوخ قبل الشباب، ولن يبقى له في المستقبل القريب سوى الاستغناء عن العجرفة وركوب قطار التعنت، والرضوخ للأمر الواقع، والتعامل معه لا الهروب إلى الأمام .
الولي محمد الخليل
العيون المحتلة